أخبار الجنوبأخبار المحافظاتأخبار لحجاقتصادمقالات

حتى لا نكون تحت رحمة الأمراض الفتاكة مرة أخرى

يوليو 2025

*أنسام عبدالله*

تقول فاطمة من محافظة عدن قبل شهر من الان ذهبنا لإسعاف ابنتي البالغة من العمر تسعه أشهر، واستمرينا لمده ليلة كاملة نبحث في مستشفيات عدن الحكومية عن حل عاجل للحصبة التي ظهرت على جسم ابنتي بصورة مفاجئة ومخيفة، لم تكن حصبة عادية مثلما هو متعارف عليها بين الناس، لقد عم الطفح الجلدي كل الجسم مصاحبه احمرار شديد وحمى ، تفقد على إثرها الوعي للحظات . ولم تكن هناك مؤشرات تدل على اصابه ابنتي بها، عدا عن حمى بسيطة .

واستطردت قائلة : لقد ذهبنا الى مستشفى الصداقة الحكومي لكن دون جدوى ..قلة الرعاية الصحية وعدم الاكتراث لحال الطفلة دفعنا إلى الذهاب إلى مستوصف خاص اضطررنا لاستلاف الأموال لأجل دخوله ..

وما أن دخلنا المستوصف حتى تفاجأنا بحالات كثيرة مشابهة لحالة ابنتي متوزعين في قسم الطوارئ والأقسام المجاورة والبعض يفترش الأرض، والطاقم الطبي في حالة ارتباك لكثرة الحالات الواردة من الأطفال المصابين بالحصبة وأمراض أخرى شبيهه لها بالأعراض .

كنا محظوظين حين وجدنا اخر غرفة لم يتم حجزها بعد ، وصعدنا بعد دفع المبلغ الكبير بالاستقبال إلى الغرفة الخاصة وابنتي في حاله غيبوبة من شدة الحمى .

سارع الدكتور بالكشف عنها معربا عن استغرابه وقلقه من منظر ابنتي حيث اجتاحت الحصبه كل مكان بجسمها ، فأمر بمضادات حيوية ومغذيات مستعجلة، لتنزيل الحمى الشديدة..استمرت ابنتي على هذه الحالة لمده ثمان أيام ونحن نتحمل عبء تكاليف العلاج المرتفعة يوما بعد يوم ..

وتضيف فاطمة ..

كنت أبكي بحرقة على حال ابنتي التي أحافظ عليها ولا تدعها تختلط بأحد من الأطفال خوفا عليها من العدوى للأمراض المنتشرة . والمرة الوحيدة التي خرجت فيها هي عند زيارتنا قبل الحصبة بأسبوع لعياده دكتور أطفال بالمنصورة حيث كانت ابنتي تعاني من سعال معتاد، لكن العيادة كان فيها حالات أطفال مرضى بالحصبة وأمراض معدية أخرى ، ومن مختلف مناطق اليمن وخصوصا النازحين ممن لا يتلقون رعاية صحية كافية أو تحصين .

وفي معرض حديثها قالت لقد أعطيت ابنتي كل اللقاحات حسب بطاقة التطعيم ، لكن بقي لقاح الحصبة وكان موعدها لم يأتي بعد ، وحصلت العدوى ، حيث كانت حصبةالمانية.. لولا عناية الله ثم الرعاية المكلفة في المستوصفى الخاص لحدث لابنتي مكروه . لهذا انصح كل الأهالي بتلقيح أبناءهم لتجنب انتشار هذه الأمراض الفتاكة لا سمح الله .

*تفشي الأمراض الفتاكة من جديد*

عادت إلى الواجهة من جديد الأمراض الفتاكة التي تقتل الأطفال نتيجة غياب التحصين ولاسيما شلل الأطفال والحصبة ، إذ انتشرت هذه الامراض في مختلف مناطق اليمن سواء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين أو في المحافظات المحررة وذلك عقب أحداث حرب 2015 المدمرة للبنية التحتية للبلاد والصحية منها على وجه الخصوص . على الرغم من عدم انقطاع طائرات منظمة الصحة العالمية واليونسيف عن إيصال اللقاحات لاستمرار حملات التحصين لضمان عدم تفشي الأمراض القاتلة .

ولكن رغم ذلك عاودت هذه الأمراض الانتشار مره أخرى وبشكل واسع بين أوساط الأطفال . ترى لماذا ؟

حيث كانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في العام 2009 اليمن بلدا خاليا من شلل الأطفال الناتج عن الفيروس البري من خلال مكتبها الإقليمي بالقاهرة، وذلك حسب مؤشرات لجنة الأشهاد الاقليمية التابعة للمنظمة .

إلا أنه سرعان ماعاود شلل الأطفال الانتشار بعد 11 سنة من اختفائه ، حيث أعلنت اليونسيف وبصورة رسمية في العام 2020 م عن عودة المرض إلى اليمن .

لعبت الحرب دورا كبيرا في حرمان أطفال اليمن من اللقاحات ليس فقط لقاح شلل الاطفال ، بل مجمل اللقاحات خصوصا بتلك المناطق التي كان يصعب الوصول لحملات التحصين الوصول إليها ومنها صعدة ، حيث ظهرت أولى حالات شلل الاطفال هناك بعد الحرب ، وتضاعفت الحالات لتشمل أمراض أخرى مثل الحصبة والحصبة الالمانية والدفتيريا والكوليرا وغيرها .

*اللقاحات غير متاحة*

بلغ الإنهيار الصحي مداه عقب الحرب ما أدى إلى نقص حاد في مخزون اللقاحات بفعل استمرار الأعمال القتالية، كما تعرض المخزون منها إلى التلف بسبب الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي بسبب الاوضاع المضطربة في البلاد . ونتج عن كل هذا حرمان شريحه كبيرة من الأطفال ممن هم في سن التحصين من أخذ اللقاح . حيث وبحسب منظمة الصحة العالمية تعد اليمن الأسوأ عربيا من ناحية عدد الملقحين بين السكان بنسبة 1.06 لكل مائة شخص .

*اتهامات بالتضليل*

اتهم مؤخرا وزير الصحة في الحكومة المعترف بها..
اتهم الحوثيين بتنظيم فعاليات ضد اللقاحات ، معتبرا ذلك تصرفات طائشة ومغامره بمستقبل أطفال اليمن . كما اتهم سلطات صنعاء بعدم قبول الحملة الوطنية للتحصين في العام 2022 .
حيث كانت قد نظمت مؤسسات تابعة للحوثيين ندوة بعنوان “اللقاحات ليست آمنة ولا فعالة” بحضور رئيس الوزراء بن حبتور ووزير الصحة العامة والسكان طه المتوكل الذي قال إن توفير اللقاح ليس إلزاميا بالمطلق للوزاره لكنه متاح . بالإضافة إلى حملات تلفزيونية وإذاعية مكثفة بالإضافة إلى دور خطباء المساجد الذين عززو فكره العزوف عن التحصين . كل ذلك أدى إلى تراجع في نسبة التحصين من 58 بالمائة إلى 46 بالمائة في العام 2023 .

*تدارك الكارثة*

في العام 2023 استشعرت حكومة صنعاء بالخطر وذلك بعد وفاة عدد من الأطفال بسبب شلل الاطفال والحصبة ، حيث استمع البرلمان لتقارير من مسؤولين من وزارة الصحه مطالبين بتوفير اللقاحات وتكثيف برامج التحصين والتوعيه . حيث أقرت اللجنه المختصه توفير حملات تحصين مستعجله من منزل إلى منزل .

*أرقام مقلقة*

تفيد احصائية وزارة الصحة التابعة للحكومة المعترف بها دوليا بوجود 288 حاله اصابه بشلل الاطفال ، بينما أعلنت وزارة الصحه بحكومة صنعاء عن وجود 266 حالة مماثلة . وهذه فقط الارقام الرسمية المعترف بها عدا عن المناطق التي لم تصل إليها حملات التحصين .

وتكمن خطورة عوده المرض في الفيروس ..الذي كان فيروس بري أما الآن فهو مشتق من اللقاح وهو بحسب منظمه الصحة العالمية ناتج عن انحسار عمليه التحصين ، وتمثل اليمن ثلث حالات العالم من هذا النوع من شلل الاطفال . ويعتبر هذا النوع من الفيروسات شديد
العدوى وسريع الانتشار .

*حملات واسعة النطاق*

وفق ما جاء في تقرير الأمم المتحدة فإنه وفي عامي 2022 و 2023 دعمت منظمة الصحة العالمية تنفيذ أربع حملات للتحصين باستخدام اللقاح الفموي الثلاثي لشلل الاطفال في 12 محافظة تخضع لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا . تم خلالها تسليم أكثر من تسعة ملايين جرعة ، حيث غطت الحملات كل المناطق المستهدفة بنسبه 95 بالمائة ، سواء الحملات المقررة أو التكميلية . رغم ذلك وجدت حالات وفاة بسبب التردد في التحصين .

كما أشار التقرير الأممي إلى تفشي مرض الحصبة والحصبة الالمانية على نطاق واسع في كل أنحاء اليمن في العام 2023 الذي شهد 49000 حالة . حيث أعلن الرئيس الدولي للمنظمة أطباء بلا حدود كريستوس كريسو عن انتشار المرض بين الأطفال في محافظة حجة خلال زيارته مستشفى تدعمه المنظمه مؤكدا أن السبب هو انعدام التلقيح ، كما قدرت حالات الوفاه المؤكده حينها ب 77 حاله .

ومن أسباب انتشار الحصبة بالاضافة الى عدم التحصين .. سبب آخر يكمن في سوء التغذية الحاد الذي يعاني منه الأطفال في اليمن ، إذ وبحسب تقارير للأمم المتحدة يعاني 46 في المائة من الأطفال دون الخامسة من التقزم وبالتالي قلة النظام المناعي بالجسم مايزيد من احتمالية وجود حالات وفاة بسبب الحصبة والأمراض الفتاكة عموما .

كما أكد التقرير إلى أن مجابهة انتشار هذه الامراض بالتحصين يعتبر تحدي كبير في ظل وجود 55 بالمائة فقط من البنية الصحية مازالت تعمل بالبلاد ، بالإضافة إلى حملات التضليل ضد اللقاحات .

وبرغم تلك التحديات الكبيرة إلا أن منظمه الصحة العالمية وبالتعاون مع مركز الملك سلمان للاغاثة والأعمال الانسانية قد أطلقا مشروع لحماية أطفال اليمن من الأمراض الفتاكة بقيمة ثلاثة مليون دولار يستفيد منه أكثر من 1.2 مليون طفل باليمن في محافظات عدن وتعز وحجة وصعدة وهي المناطق الأكثر تضررا من تفشي الحصبة . حيث عمل المشروع على توفير ثلاثجات شمسية ل 81 مرفق صحيا ونشر 1540 عاملا صحيا عبر 770 مرفق في 77 منطقة .

*تعزيز الوعي بالتحصين*

على الرغم من أن المواد المحرضة على عدم التحصين تنتج في الشمال إلا أن صداها يصل إلى الجنوب عن طريق تخوف الناس من تعاطي اللقاحات تحت دعاوى عديدة بفعل الشائعات المضللة والتي تدفعهم التخوف من تحصين أبناءهم، لذا ترتفع نسبة العزوف عن التحصين .

وبسؤاله عن سبب عدم أخذ اللقاح من البعض أجاب طبيب الأطفال عبدالحكيم الفقيه من محافظة لحج أن الشائعات أثرت على الكثير من الناس ومن مختلف الشرائح الاجتماعية ومن طبقة المتعلمين أيضا، إذ تنشتر الحملات المغلوطة بوسائل التواصل الإجتماعي مضللة العامة ومحذرة إياهم من أضرار فتاكة مزعومة تحتويها اللقاحات . مؤدية إلى عدم ثقة وأحجام عن التحصين وبالتالي انتشار الأمراض الفتاكة التي قد تصل إلى حالات وفاة .

كما أكد الدكتور الفقيه أن اللقاحات آمنة بشكل كامل ، وأنها كانت ومازالت تُمنح عبر منظمات دولية معتمدة منذ ما قبل الحرب بكثير والى الآن داعيا الى الآباء والأمهات إلى تحصين أطفالهم وأخذ الجرعات كاملة وعدم الاستماع لتلك الشائعات المضللة .