
المغترب اليمني..نجم في سماء الغربة لا ينطفئ رغم الألم
لحج الغد – بقلم:حسان المطري ــــ عالم فلك ومبتكر
اكتب اليوم، لا عن مجرّة ولا عن نجم كما عهدتموني دائمًا، بل عن نجومٍ من نوعٍ آخر. نجوم تمشي على الأرض، تتلألأ بالصبر والكفاح والرجولة. أكتب عن أبطالٍ لا يقلّون شأنًا عن تلك النجوم المعلقة في السماء. أكتب عن المغترب اليمني، البطل الحقيقي، الذي غادر أرضه وأهله بحثًا عن لقمة شريفة، وعن عيش كريم لأبنائه وأحبّته.
قرابة مليوني يمني يعيشون اليوم في بلاد الحرمين، لم يذهبوا هناك سُيّاحًا ولا لهوًا، بل ذهبوا مثقلين بالمسؤولية، مشحونين بالواجب، تركوا خلفهم زوجات وأمهات وأبناءً، لا لشيء سوى ليكفلوا لهم حياة بكرامة. الغربة ليست كما يظنّها من لم يذق مرّها، إنها غصّة يومية، شوق لا ينقطع، وحنين لا يهدأ. لكنها تُحتمل إذا كان الثمن كرامة أسرة، وستر عائلة، ومستقبل أبناء.
المغترب اليمني ليس مجرد إنسان يبحث عن عمل، بل هو مشروع بطولة، قصة كفاح تتكرر في صمت كل يوم. هذا الرجل الذي ودّع أبناءه وهو يغالب الدمع، الذي ودّع والدته وقد لا يراها ثانية، لا يفعل ذلك طمعًا في دنيا، بل لأنه يعرف أن وراءه أفواهًا تنتظر، وبيوتًا لا يضيء نورها إلا من عرقه. ما أصعب أن تعيش غريبًا، تضع رأسك على وسادتك ليلًا ولا تسمع صوت أمك، لا ترى ضحكة ابنك، ولا تجد دفء بيتك، لكنك تُجبر نفسك على الثبات لأنك مسؤول. هؤلاء الرجال الذين يغتربون، ليسوا باحثين عن الرفاهية، بل يطاردون الحياة نفسها. يعملون ساعات طويلة بلا راحة، ويعيشون في مساكن متواضعة، يتقشفون ليُرسلوا لأهلهم ما يسدّ حاجتهم، بينما هم يكتفون بالقليل. الغربة تصنع الرجال، تصهر القلوب، وتُظهر معادن البشر. وكم من مغترب بكى في سجوده، ثم نهض كأن لم ينكسر. هؤلاء هم الأبطال المجهولون، الذين يرفع الله شأنهم ولو لم يُصفّق لهم أحد.
وراء كل مغترب يمني، قصة وجع لا تُروى، وهمّ لا يُقاس. تبدأ الغربة من لحظة الوداع، حين تُنتزع من جذورك لتُزرَع في أرض لا تشبهك، في عالم لا يفهم لهجتك، ولا يُقدّر غربتك، ولا يرحم ظرفك. المغترب يواجه وحده كل شيء: الغلاء، ضيق الحال، ضغوط العمل، قوانين الإقامة، المخاوف اليومية من المجهول. لكنه يبتلع الألم، ويسكت، ويُكمل الطريق. يخاف أن يُصاب والده بمرض ولا يكون بجانبه، أو أن تُغلق الدنيا على أمه وهو بعيد. يشتاق لأطفاله، لكنه لا يستطيع حتى أن يقول لهم: “اشتقت إليكم”، حتى لا يُحزنهم. يرسل لهم المال ويخفي دموعه. يضحك في مكالمة الفيديو، ويطفئ الهاتف ليمسح ألمه بصمت. يعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة في اليوم، بلا ترفيه، بلا تأمين، بلا سند، ثم يُطالب بالصبر وكأنه آلة لا تكلّ ولا تتعب. حتى بعض من حوله، يظنونه قويًّا دائمًا، ولا يدركون أن الداخل منه يكاد ينهار.
وختامًا، إلى كل مغترب يمني في بقاع الأرض: أنتم أبطالنا الحقيقيون. أنتم الجنود المجهولون في معركة الكرامة والستر والصبر. ما تفعلونه لا يقدّره إلا الله، ولا يعلم أجره إلا الله. صبركم عبادة، وسعيكم في الرزق الحلال جهاد. أنتم لا تعيشون لأنفسكم، بل لأجل من تحبون. ندعو الله أن يربط على قلوبكم، وأن يفرّج كربكم، وأن يُعجّل لكم بلقاء أحبّتكم في خير وسعة ورضا. نسأل الله أن يرضى عنكم، وأن يفتح عليكم أبواب رحمته ورزقه، وأن يجعل غربتكم سببًا في رضا الله ودخول الجنة. لكم كل الاحترام والتقدير والدعاء من القلب.



